مدونة شخصية ثقافية

مدونتي:
أكتب فيها بكل صراحة ما أريد لأهم أعمالي بعد نشرها في الصحف والمواقع الالكترونية، تتناول المدونة القضايا الاجتماعية والثقافية، وكل ما يهم القارئ .. أتمنى أن أكون عند حسن الظن وأن تنال أعجابكم..
مع خالص تقديري.

د. حسن عياش

الثلاثاء، 1 مارس 2011

كيف يستوي الظل والعود أعوجُ


كيف يستوي الظل والعود أعوجُ


يحكى أن رجلاً كان يعمل في وظيفة بواب، وكانت مهمته فقط تفتيش دقيق لكل من يدخل إلى المؤسسة التي يعمل بها، وفي إحدى المرات قرّر هذا البواب أن يمنع أحد المراجعين من الدخول إلى المؤسسة بحجة دخوله مبتسماً، فرفض هذا الشخص أوامر البواب، مما جعل الأخير يصرخ به ويأمره بالعودة، فجاء رجل بعده وسمح له بالدخول، وسأله - متوقعاً أنه هاكر- لماذا منعت دخول الرجل الذي قبلي، ، فردّ عليه البواب إذا فتشت الداخلين فقط، ولم أمنع من أريد أن أمنعه على الأقل، فماذا عملي إذن؟
أعتقد أنني خرجت من هذه الحكاية كما يعود السكران إلى بيته، والطريف في هذا الأمر أن تجد من المثقفين - كما يدّعون – من يتعامل مع الذين لهم مصلحة كما هو البواب، ليشعرك ويوهم الآخرين أن له سلطة، ولا تستطيع أن تمشي معاملتك إلا من خلاله...؛ ومن الطرافة هنا أن يكون من يُمثل هذا النمط هو أحد رؤساء الأقسام في مؤسسة تعليمية، ويُمارس هذا الشيء ليس على داخل أو خارج، وإنما على زميل له في القسم، فقبل أيام تقدم أحد أعضاء الهيئة التدريسية في مؤسسة تعليمية على براءة ذمة.. وهي عمل روتيني.. وبحاجة إلى توقيعه فقط، ومن ثم توقيع من يليه، واللافت للنظر بل، والمضحك جداً أن رئيسَ القسم يطلب أن يترك زميله المعاملة ليوقع عليها توقيعه السامي إلى اليوم التالي، ليأتي اليوم التالي فيطلب منه أن يترك الورقة لليوم الذي يليه، وتكررت العملية، وهو غير آبه، ولم يعمل بها شيئاً، وبالمناسبة؛ فإن المعاملة وقعها قبله من يأتي بعده، وهم يضحكون، وهو يعلم جيداً أن الورقة لا تحتاج إلى شيء. المهم في الأمر أنه بعد ثمانية أيام تقريباً يختمها مبيناً لزميله أنه مهم، ولكن مما يُؤسف له أن ما في الورقة روتينياً، وليس فيها ما يدعو إلى الانتظار، ولا إلى الزعامة الناقصة.
وهذا يذكرني في الاصطفاف أمام مقرات الإدارة المدنية الإسرائيلية في بلادنا قبل مجىء السلطة الوطنية الفلسطينة، وأمام حواجز الاحتلال حيث كان الجنود الذين تتحكم في نفوسهم مشاعر الاستخفاف والنظرة العنصرية لا يكترثون بمعاناة الإنسان الفلسطيني.
على هذا القياس أربط بين دعوات مكافحة الفساد وبين ما سمعته من زوج يقول لزوجته ما سمعه من القنوات الإخبارية عن اللجنة الرباعية والمساعدات للفلسطينين، فترد عليه زوجته، مع اللجنة الرباعية مش حتقدر تغمض عينيك".
وعوداً إلى موضوع المقالة فإنه يحق لنا أن نعتب بل أن نغضب على مؤسسة يرأس أحد أقسامها هكذا أكاديمي، المفترض من هذا النوع أن لا يرجع فقط بشهادة عليا.. بل كقائد أديب يوجه طلبته ليقودوا الوطن، ويتمتعوا بقدر من الأخوة والزمالة والعدالة، لكن للأسف هذا عكس الواقع..
وأنا لا أدّعي أنني ألممت بكل شيء، ولا رتبت كلمات هذه المقالة، لكن كما قيل يبقى المخفي أعظم، ويا غافل لك الله، ومع هذا، فإن الأصوات التي تعلن عن مكافحة الفساد تظل تصدع أُذُنَنَا ليلَ نهار، فلا أمن وظيفي، ولا غيره، وهنا يكمن تساؤل يبدو كبيراً: من يُراقب المراقِب؟ ومن يحمي الموظف، وإدارة المؤسسة تعرف كل هذا، وغيره لكنها ليست معنية لأنه ممن يمسح الجوخ، والمؤسسة تدَّعي أنها حريصة كل الحرص على أن تكون بيئة جاذبة للطلبة ليتعلموا الأخلاقيات والإنسانيات، وأنها تعمل دائماً على توفير كل الاحتياجات اللازمة، والتسهيلات لأساتذتها بالشكل المطلوب، وتحقيق المصلحة العامة.
والشيء بالشيء يُذكر، فقد قطع بوش شوطاً كبيراً في رفع راية مكافحة الفساد بعد الانتصارات التي حققها في قتل آلاف العراقيين، فيبدو أنها هذه هي الخلطة السحرية في مكافحة الفساد، والتعامل مع البشر.
وفي هذا الصدد قرأت في إحدى المقالات ما نصه:" أجريت مقابلة خاصة مع وزير التعليم الصهيوني .. صرح الأخير بان الكيان الصهيوني يتخرج من جامعاته سنويا في المتوسط 80 عالماً، أو فنياً، أو أكاديمياً متخصصاً .. فاستصغر مقدم البرنامج هذا الرقم .. فطمئنه الوزير الصهيوني بأن هذا الرقم يعد كبيراً بالمقاييس العلمية العالمية المتخصصة، والتي تعتمد على الكيف .. وليس على الكم ..!!!" لكن الحاصلين على الشهادات العليا في العالم العربي اليوم أصبحت بالملايين لكنها مجرد ترف اجتماعي، والحصول عليها أصبح زخرفة جوفاء.
إنه لمن تعاسة هذا الزمن أن يصبح المفسدون والمحتالون، أخف وطأة من أصحاب الحق، والمدافعين عن حقوقهم. إنها حياة مزيفة، فطعامنا وكلامنا وبشرتنا وعمليات التجميل من ألوان الزيف والخداع، وغيرها الكثير.
إن مجتمعنا يمر في مرحلة يمكن أن نسميها ثقافة المصلحة، ولا تعجب إذا غيَّرنا مبادئنا بين ليلة، وضحاها؛ فهذه ثقافة، وقد ذكرت في إحدى مقالاتي إن هناك مافيات متخصصة في الفساد توظف شهاداتها من أجل شرعنة الفساد.
أعتقد أننا في ظل التحديات التي تواجهنا كمجتمع فلسطيني، بحاجة إلى أن يوصل الجميع أصواتهم إلى قطاع أوسع من المختصين والمهتمين في الحكومة، وأن ﻳﺴﺎﻫﻢ اﻟﺠﻤﻴﻊ وخاصة وسائل الإعلام – السلطة الرابعة – بدور المتابع من أجل اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎﻓﻰ مع أخلاقيات شعبنا والمهنية التي ينتمي إليها هؤلاء، وأقول للأخوة في إدارة الجامعات، ووزارة التربية والتعليم العالي ..افتحوا أذانكم لسماع النقد ..وافتحوا قلوبكم لتقبل النقد الذي يجب أن تستفيدوا منه كخطوة نحو النجا ح والتطور . وليتم التحرك سريعاً لأنَّ انتشار اللامبالاة بين الكثير من الفئات المهتمة بمثل هذه القضايا، وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان هو الذي يجعل المفسدين يتمادون في انتهاكاتهم، ويجعل التقاعس عن سماع هذه النبضات الصادقة زيادة في المرارة التي يحس بها العاملون من جراء هذه الأعمال.
يشغلني كثيراً هذا السؤال من يدعم المجتمع ويقيه من الانحراف من مؤسسة، تنحرف في مسيرتها، وتقتحم الخصوصية، وتسيء إلى سمعة الأفراد وتشوهها، والسؤال الشبيه من يحمي المـجتمع إذا تحول رجل الأمن إلى معتدٍ؟. لا بُد أن نعي أننا إن أردنا الإعوجاج؛ فلن يمنعنا إلا ما بداخلنا من قيم، ومبادئ، ووازع ديني. ومع هذا أيضاً يظل أملنا كبير في مؤسسات النزاهة والشفافية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق